الذهبي
637
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
عِيسَى بْنِ عُمَرَ ، وَأَخَذَ عَنْ : يُونُسَ بْنِ حَبِيبٍ ، وَأَبِي الْخَطَّابِ الأَخْفَشِ الْكَبِيرِ ، وَصَحِبَ الْخَلِيلَ بْنَ أَحْمَدَ مُدَّةً ، وَوَفَدَ إِلَى بَغْدَادَ عَلَى يَحْيَى الْبَرْمَكِيِّ ، فَجَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكِسَائِيِّ لِلْمُنَاظَرَةِ بِحُضُورِ سَعِيدِ بْنِ مَسْعَدَةَ الأَخْفَشِ ، وَالْفَرَّاءِ ، وَالأَحْمَرِ . وَجَرَى ذَاكَ الْبَحْثُ الْمَشْهُورُ فِي مَسْأَلَةِ الزُّنْبُورِ ، وَتَعَصَّبُوا لِلْكِسَائِيِّ دُونَهُ ، ثُمَّ وَصَلَهُ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ بِعَشَرَةِ آلافِ دِرْهَمٍ ، فَخَرَجَ إِلَى بِلادِ فَارِسٍ فَتُوُفِّيَ بِشِيرَازَ ، وَقِيلَ بِسَاوَةَ ، وَكَانَ قَدْ سَأَلَ عَمَّنْ يَرْغَبُ فِي النَّحْوِ ، فَقِيلَ لَهُ طَلْحَةُ بْنُ طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْخُزَاعِيُّ الأَمِيرُ فَقَصَدَهُ . وَيُقَالُ : كَانَ فِي لِسَانِ سِيبَوَيْهِ حُبْسَةٌ ، وَفِي قَلَمِهِ انْطِلاقٌ وَبَرَاعَةٌ . قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ : سُمِّيَ سِيبَوَيْهِ ؛ لِأَنَّ وَجْنَتَيْهِ كَانَتَا كَالتُّفَّاحَتَيْنِ ، وَكَانَ بَدِيعَ الْجَمَالِ ، وَقِيلَ : هُوَ لَقَبٌ بِالْفَارِسِيَّةِ مَعْنَاهُ : رَائِحَةُ التُّفَّاحِ . قَالَ أَبُو زَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ : كَانَ سِيبَوَيْهِ يَأْتِي مَجْلِسِي وَلَهُ ذُؤَابَتَانِ فَإِذَا قَالَ : حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِعَرَبِيَّتِهِ ، فَإِنَّمَا يَعْنِينِي . قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ : سَمِعْتُ ابْنَ عَائِشَةَ يَقُولُ : كُنَّا نَجْلِسُ مَعَ سِيبَوَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَكَانَ شَابًّا جَمِيلا نَظِيفًا قَدْ تَعَلَّقَ مِنْ كُلِّ عِلْمٍ بِسَبَبٍ ، وَضَرَبَ بِسَهْمٍ فِي كُلِّ أَدَبٍ ، مَعَ حَدَاثَةِ سِنِّهِ ، فَهَبَّتِ الرِّيحُ مَرَّةً ، فَقَالَ لِبَعْضِ الْجَمَاعَةِ : انْظُرْ أَيَّ رِيحٍ هَذِهِ ، وَكَانَ عَلَى الْمَنَارَةِ تِمْثَالُ فَرَسٍ نُحَاسٍ ، فَنَظَرَ ثُمَّ عَادَ فَقَالَ : مَا تَثْبُتُ الْفَرَسُ عَلَى شَيْءٍ ، فَقَالَ سِيبَوَيْهِ : الْعَرَبُ تَقُولُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الرِّيحِ : قَدْ تَذَاءَبَتِ الرِّيحُ ، أَيْ : فَعَلَتْ فِعْلَ الذِّئْبِ يجيء من ها هنا ، وها هنا لِيَخْتَلَّ فَيَظُنَّ النَّاظِرُ أَنَّهُ عِدَّةُ ذِئَابٍ . وَيُقَالُ : إِنَّ سِيبَوَيْهِ لَمَّا احْتَضَرَ وَضَعَ رَأْسَهُ فِي حُجْرِ أَخِيهِ ، فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ ، فَدَمَعَتْ عَيْنُ أَخِيهِ ، فَأَفَاقَ فَرَآهُ يَبْكِي فَقَالَ : أُخَيَّيْنِ كُنَّا فَرَّقَ الدَّهْرُ بَيْنَنَا . . . إِلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى فَمَنْ يَأْمَنُ الدَّهْرَا ؟ عَنِ الأَصْمَعِيِّ قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى قَبْرِ سِيبَوَيْهِ بِشِيرَازَ هَذِهِ الأَبْيَاتِ ، وَهِيَ لِسُلَيْمَانَ بْنِ يَزِيدَ الْعَدَوِيِّ : ذَهَبَ الأَحِبَّةُ بَعْدَ طُولِ تَزَاوُرٍ . . . وَنَأَى الْمَزَارُ فَأَسْلَمُوكَ ، وَأَقْشَعُوا تَرَكُوكَ أَوْحَشَ مَا تَكُونُ بِقَفْرَةٍ . . . لَمْ يُؤْنِسُوكَ ، وَكُرْبَةً لَمْ يَدْفَعُوا